حكايات اماني السيد ج 1

وصلنا المستشفى، وكانت الطوارئ زحمة والريحة كتمة. لقينا أمها قاعدة على الكرسي بره الأوضة بتلطم على وشها وبتبكي بانهيار، وهدى واقفة جنبها، ضامة نفسها لورا، وشها أصفر زي الورق وعيونها رافضة تترفع من الأرض.

أول ما مراتي جرت على أمها وهدى، عين هدى جت في عيني لثانية واحدة. كانت نظرة فيها كمية قرف وكسرة وكره خلاني أتمنى لو الأرض تبلعني في ساعتها. هدى لفت وشها فوراً وادتني ظهرها وهي بتترعش.

خرج الدكتور من أوضة الكشف، وشه ما كانش يبشر بخير أبداً. اتجمعت العيلة كلها حواليه، ومراتي ماسكة في إيدي بجنون، والدكتور قال بصوت هادي ومتردد:

“الحالة حجة جداً.. الوالد جاله جلطة شديدة في المخ نتيجة ضغط عصبي مفاجئ وصدمة كبيرة. إحنا نقلناه العناية المركزة، والـ 48 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.”

أم مراتي أغمى عليها في ساعتها، والدكاترة شالوها، ومراتي دخلت في حالة نهار وصراخ، وأنا واقف زي الصنم، عاجز حتى إني أواسيها. كنت حاسس إني مجرم مسكوه بالدليل القاطع، بس القاضي لسّه ما أصدرش الحكم.

عدت الساعات في الممر الطويل بطيئة ومرعبة. مراتي كانت بتنام على كتفي وهي بتعيط وتترجاني: “يا رب يقوم بالسلامة يا حبيبي.. بابا ده كان روحي، لو جراله حاجة أنا أضيع.” كنت بأومئ براسي ومن غير ما أنطق بكلمة، كل خلية في جسمي كانت بتصرخ ذنب.

على الساعة تلاتة بعد الفجر، الممر فضي شوية. أمهم كانت أخدت مهدئ ونامت في أوضة ثانية، ومراتي راحت الحمام تغسل وشها وتحاول تفوق. انتهزت الفرصة وقربت من هدى اللي كانت واقفة بعيد في أخر الممر بتطل من شباك زجاجي على الشارع.

قربت منها بصوت واطي ومبحوح، وحاولت أقف على مسافة منها عشان متصرخش:

“هدى.. أرجوكي اسمعيني.. أنا…”

قبل ما أكمل كلمتي، لفت ليا بسرعة وجسمها كله بيتفض. صوتها خرج واطي بس أشد من الس\كينة:

“ابعد عني! متقربش مني ولا تنطق اسمي تاني! إنت بني آدم مريض.. إنت دمرت بيتك ودمرت أبيا! بابا لما شافني داخلة بصرخ وبحكيله من غير ما أستوعب بس من هولي، قلبه ما استحملش! لو بابا جراله حاجة، أنا مش هسكت يا أبيه.. أقصد يا مجرم! هفضحك قدام أختي وقدام الدنيا كلها!”

بلعت ريقي بصعوبة وقلت بحشرجة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *