حكايات نور محمد 2

الكلام كان تقيل على قلبي، الدموع اتجمعت في عيني بس مسكت نفسي. بصيت لأمي وقلت لها بوضوح: “أنا ممكن أسامح يا أمي، لأنك أمي ولأن البر فرض عليا.. بس اللطف القديم والثقة الأعمى مش هيرجعوا في يوم وليلة. بنتي خط أحمر، وما فيش حد في الدنيا، مهما كانت درجة قربه، مسموح له يقلل منها أو يكسر نفسها عشان يرضي عقده.”
أمي هزت رأسها بتفهم وقبلت رأسي، ورجعت حضنت ليلى بقوة وهي بتستسمحها وتدعي لها.
قعدنا كلنا في الصالة، وأحمد جوز رحاب جه بعد نص ساعة لما طارق بلغه إن المقابلة تمت. أحمد اعتذر لي قدام الكل بعلو صوته عن اللي أختي عملته، وأكد إنه اشترط على رحاب تبدأ تتابع مع أخصائية نفسية عشان تعالج الغيرة والمقارنات القاتلة اللي بتبوظ حياتها وحياة بنتها جنى.
رحاب كانت قاعدة ساكتة، بتراقب ليلى وهي بتفتح الهدية وتشوف الفستان الجديد اللي جابتهولها، وكان شكلها كأنها طالعة من معركة خسرانة فيها كل أوهام السيطرة اللي عاشت بيها سنين.
افتكرت إن المهزلة انتهت عند النقطة دي، وإن المياه بدأت ترجع لمجاريها والكل اتعلم الدرس.. بس الأيام كانت مخبية مفاجأة تانية.
بعد أسبوعين من الصلح، وفي أول عزومة عائلية جمعتنا تاني في بيت أمي، الدنيا كانت هادية والكل بيتعامل بحذر شديد معاي ومع ليلى. لكن أثناء ما كنا بنحضر الغدا، تليفون رحاب رن وهو محطوط على السفرة، وكانت الشاشة مضيئة باسم “دكتورة نيفين – استشاري”.
رحاب اتلخبطت وجريت مسكت التليفون بسرعة ودخلت البلكونة تترد. أنا مكنتش قصداني أراقبها، بس وأنا معدية من جنب البلكونة عشان أجيب المفرش، سمعت رحاب بتتكلم بصوت واطي ومختنق ودموعها نازلة:
“يا دكتورة أنا بحاول.. بس مش قادرة! كل ما بشوف ليلى وبشوف اهتمام الناس بيها وبأمي، بحس إن بنتي جنى مالهاش قيمة! أنا مش عارفة أوقف كرهي للموقف ده، وأمي أوقات بتفكرني باللي فات وتبص لي بنفس النظرات!”
وقفت مكاني مشدوهة. اكتشفت إن الاعتذار والدموع اللي شفتهم في بيتي مكنوش إلا مجرد مسكنات لتفادي الطلاق والفضيحة، وأن الجذور المسمومة في العيلة دي أعمق بكتير من مجرد شفشق كركديه اتدفق على فستان.
تجمدت في مكاني وأنا أسمع كلماتها من خلف زجاج البلكونة. كانت أنفاسها متقطعة، وصوتها يخرج ببكاء مكتوم يعصر قلبه الغل لا الندم. في تلك اللحظة، استوعبت حقيقة قاسية: رحاب لم تتغير، والاعتذار الذي قدمته لي في بيتي لم يكن سوى تمثيلية أتقنتها مجبورة لإنقاذ زواجها وإعادة ترميم صورتها أمام العائلة. والعقدة المريضة التي تسكنها تجاه بنتي لا تزال تشتعل تحت الرماد.
