حكايات نور محمد 2

انسحبت ببطء حتى لا تشعر بوجودي، والدم يغلي في عروقي. كانت الصدمة الأكبر هي كلماتها عن أمي: “وأمي أوقات بتفكرني باللي فات وتبص لي بنفس النظرات!”… هذا يعني أن أمي، رغم كل ما حدث ورغم اعتذارها وتوسلاتها، لا تزال خلف الكواليس تغذي نار المقارنة في عقل رحاب، وتتعامل مع نوبة الغضب السابقة على أنها مجرد “كبوة” تسعى لتجاوزها دون علاج أسبابها الحقيقية.
عدت إلى الصالة، وبدأت أراقب التحركات حول بوعي جديد تماماً. كانت أمي تجلس بجانب “جنى” بنت رحاب، تطعمها في فمها وتبالغ في مدحها بصوت عالي حتى يسمع الجميع: “يا ناس في حلاوة كده؟ جنى دي سيد البنات كلهم، مفيش حد في جمالها ولا شطارتها!”
كانت أمي تقول ذلك وتتطلع بطرف عينها إليّ وإلى ليلى، وكأنها تحاول تعويض جنى بطريقة غير مباشرة عن الشعور بالأنانيّة أو النقص، وتضمن ألا تشعر رحاب بأن ليلى أخذت “المكانة الأكبر”.
ليلى كانت تجلس في زاوية الأريكة تلعب بهدوء بدميتها، غير مدركة لكل هذه الحروب الخفية والرسائل المبطنة التي تدور في الغرفة. لكن بالنسبة لي، كانت تلك الإشارات كافية لتجعلني أدرك أنني أعدت بنتي بنفسي إلى حقل ألغام، وأن الصلح الذي تم لم يكن سوى هدنة مؤقتة تسبق انفجاراً أكبر.
عندما خرجت رحاب من البلكونة، كان وجهها محتقناً وعيونها حمراء. حاولت أن تبتسم وتبدو طبيعية، لكن نظراتها عندما وقعت على ليلى كانت مليئة بتحفظ حاد وبرود يخوف.
بدأنا بنقل الأكل إلى السفرة، وكان نفس السيناريو يتكرر برعب. جلس الجميع، وأمي تحاول فرض حالة من الفرح الزائف وتلطيف الجو. وفي وسط الأكل، فتح طارق أخويا موضوع دراسة البنات، وقال ببراءة: “ما شاء الله يا سلمى، سمعت إن ليلى أخدت شهادة تقدير في الحضانة النهاردة في الإنجليزي؟ الله أكبر عليها.”
قبل أن أتمكن من الرد، ساد الصمت على السفرة.
شفاه رحاب انقبضت، ووضعت الملعقة من يدها بعنف أحدث صوتاً مزعجاً على الطبق. أمي فنصت لطارق بعيون مليئة بالتحذير وزجرته بصوت واطي: “خلاص يا طارق، ناكل الأول وبعدين نتكلم في الحاجات دي.”
طارق استغرب جداً وقال: “في إيه يا أمي؟ أنا ببارك لابنة اختي، دي حاجة تفرح!”
رحاب بصت لطارق ونظرت إليّ مباشرة، وقالت بنبرة مليئة بالتنمر والتهكم الساخر: “معلش يا طارق، أصل سلمى دايماً بتحب تظهَر إن بنتها عبقرية وزمانها، ولازم كل عزومة تطلع لنا بإنجازات وهمية عشان تحسسنا إن باقي الأطفال خايبين.”
