حكايات نور محمد 2

هنا، انقطعت شعرة المعاوية الأخيرة عندي.
لم أعد أتحمل التمثيلية. نظرت لرحاب بثبات يزلزل المكان وقلت لها أمام الجميع بصوت هادئ ولكنه حاد كالموس: “إنجازات وهمية؟ ولا إنتي اللي مش قادرة تتحملي إن فيه طفلة ثانية في العيلة بتنجح من غير ما تستأذنك؟”
أمي صرخت فوراً: ” سلمى! اقفلي بقك واسكتي! جاية تنكدي علينا تاني؟”
التفت لأمي وقلت لها بصرامة لم تشهدها مني طوال حياتي: “لا يا أمي، إنتي اللي لازم تسكتي! إنتي ورحاب فاكرين إن اللعبة دي هتكمل؟ فاكرين إني مسمعتش رحاب وهي بتتكلم في التليفون في البلكونة وبتقول إنها لسه بتكره بنتي؟ وفاكرة إني مش فاهمة نظراتك ونغزاتك طول القعدة عشان ترضي مرض أختي على حساب مشاعر بنتي؟”
السفرة كلها اتجمدت. رحاب وقفت ووجهها شاحب كالموتى، وأحمد جوزها بص لها بذهول وصدمة، بينما أمي لسانها اتعقد وما عرفتش ترد بكلمة واحدة.
قمت من على السفرة، مسكت إيد ليلى بثبات، ونظرت لهم جميعاً وقلت: “الصلح اللي عملتوه كان عشان خايفين من الفضيحة ومن كلام الناس، مش عشان حاسين بالذنب.. وأنا ارتكبت أكبر غلطة لما صدقتكم وجبت بنتي المكان ده تاني.”
أحمد جوز رحاب وقف بقلة حيلة وقال: “يا سلمى استني بس…”
قطعت كلامه وقاطعت الجميع بصوت قاطع: “محدش يتكلم. من اللحظة دي، المسرحية دي انتهت.”
نظرتُ إليهم جميعاً بجمود لم يعهدوه مني من قبل. التفتُّ إلى ليلى، وبكل هدوء شلتها على دراعي، وأخذت شنطتي بدون ما ألتفت لأي محاولة من طارق أو أحمد لعزلي عن القرار. خرجت من باب الشقة ورزعت الباب ورايا رزعة علمت في حوائط العمارة، وكانت دي آخر مرة يخبط فيها كعبي على عتبة البيت ده.
نزلت الشارع، وكانت الشمس بتبدأ تغرب. الهوا البارد ضرب وشي، وحسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتطوع وأتنفس بحرية. ليلى حطت راسها على كتفي وسألتني بصوت واطي ومتردد: “ماما.. إحنا مش هنرجع عند تيتا تاني؟”
بصيت في عينيها السافيين، وبستها من خدها وقالت لها بمنتهى الثبات: “لا يا حبيبتي.. إحنا رايحين مكان أحسن بكتير. مكان مفيش فيه حد يزعل منك عشان إنتي شاطرة أو جميلة.”
أول ما وصلت البيت، عمر استقبلني عند الباب. كان عارف من نظرة عيني إن الفصل الأخير من الرواية المسمومة دي اتكتب خلاص. حكيت له كل كلمة اتقالت، وكل حركة اتعملت.

