وقف حسن ذهولًا، وعينيه متسعة من الصدمة، بينما الشاي الدفيء على السجادة كان بيبخر، وصوت أنفاس "الست هانم" بقى مسموع وعلّي من كتر التوتر والخوف. قرب حسن بخطوات مرعوبة ناحية الترابيزة، سحب الملف الأسود وإيده بتترعش، وفتح الأوراق بسرعة. كان بيقرأ والدم بيهرب من وشه تدريجياً لحد ما بقى أبيض زي القماش. صصرخت أمه فيه وهي بتهز دراعه بجلطة وطمع: — "في إيه يا حسن؟! انطق يا ابني! كتب إيه وألغى إيه؟! أبوك خرف ولا جرى لعقله حاجة في كبره؟!" رفع حسن عينيه لأبوه، وشه ماليانه الحسرة والذهول، وقال بصوت مبحوح ومكسور: — "أبويا تنازل عن محلات العطارة.. وعن الشقة الكبيرة اللي في شارع بورسعيد.. وكتب البيت ده بعقد انتفاع، ووقف كل إيرادات التجارة لحساب دار أيتام ومؤسسة خيرية.. وما سابش لينا غير مصروف شهري علاج ليكِ ولأمي بس.. بشرط!" اتجننت "الست هانم" وسابت العقل في لحظة، هجمت على الحاج إبراهيم وهي بتصرخ بصوت زلزل الحارة: — "شرط إيه يا إبراهيم؟! أنت اتجننت في آخر أيامك؟! عايز ترمي ضناك وتضيع شقى عمرك عشان مين؟! عشان الشغالة اللي طردناها اليوم؟!" بص لها الحاج إبراهيم بكل برود وهدوء ثقيل، وقعد على كرسيه الخشب القش، حط رجل على رجل، وقال بصوت واطي بس يرعب: — "الشرط يا هانم.. إن حسن يرجع مريم بعصمته ويكتب لها شقة السيدة زينب دي باسمها ملَك خالص، أو يفضل طول عمره يشتغل عندي في المحل بأجر عامل، وياخد المصروف اللي يمشيكو بالعافية.. والبيت ده؟ هيفضل باسم المؤسسة، وأول ما أنا أغمض عيني، المؤسسة تطلب إخلائه وتطردكم للمرة الثانية بس على الشارع بجد!" دخلت سمر في النص وهي بتولول وبتبص لأخوها: — "أنت ساكت له ليه يا حسن؟! انطق! ده حَقّك! دي فلوسنا وشقانا طول السنين دي! هي بت الصعيد دي عملت له عمل ولا سحرته عشان يضيعنا كدة؟!" وقف الحاج إبراهيم فجأة، ضرب بقبضة إيده على الترابيزة ضربة هزت البيت كلو، وقال وهو بيشاور بإصبعه في وش سمر: — "اسكتي يا عقربة! أنتِ وأمك اللي ضيعتوا البيت ده بغلّكم وطمعكم! خمس سنين وأنا شايفكم بتمارسوا القسوة والافترا على بنت ناس غريبة، ملهاش حد في القاهرة غيركم! خمس سنين وأنا ساكت وببلع القرف وأقول يمكن يطمر فيكم الأصول، يمكن حسن يطلع راجل ويصون بيته ومراته.. لكن طلع خيبة، مشي ورا كلام الحريم وباع اللي صايناه وراميها بشنطة هدومها زي الكلبة!" ثم التفت لحسن وقال له بنبرة كلها حسرة: — "أنا كرهت ضعفك يا حسن.. كرهت إنك ما عرفتش تبقى راجل في بيتك. ومريم اللي أنت هانتها ورميتها في الشارع، أنا أديتها حقها وزيادة، كتبتلها الشقة الجديدة وفلوس تبدأ بيها حياتها مرفوعة الراس.. والورق ده؟ ده عقابكم كلكم عشان تعرفوا إن الظلم ليلته قصيرة، وإن ربك بالمرصاد!" على الجانب التاني، في نفس الوقت.. كانت مريم قاعدة في كافيه هادي قريب من محطة المترو، حاطة الظرف البني قدامها، والدموع مالية عينيها بس المرة دي كانت دموع قوة، مش دموع انكسار. سحبت الورق ورتبته.. عقد الشقة المسجل، دفتر التوفير، والرسالة اللي كاتبهالها الحاج إبراهيم. أول حاجة عملتها، طلبت التليفون وكلمت أخوها الكبير في الصعيد، "صالح". أول ما صالح سمع صوتها، قال بلهفة وقلق: — "إيه يا مريم يا خيتي؟ اطمنتي على أحوالك؟ حسن أخباره إيه والبيت عامل إيه؟" اخدت مريم نفس عميق، ورجعت ضهرها لورا، وقالت بصوت ثابت وقوي لأول مرة من خمس سنين: — "أنا طلقت يا صالح.. وخرجت من البيت ده خلاص." صالح قام وقف بانتفاضة وشيطانه حضر: — "شنو؟! اتطلقتي؟! وخرجوكِ إزاي؟ رموا هدومك وحقك فين؟! أنا جاي لك القاهرة بحق العرب والدم، والله ما هسيبهم ولا هسيب حقك يتداَس!" ردت مريم بسرعة وبابتسامة ثقة: — "اهدى يا صالح.. محدش يقدر يدوس لي على طرف. أنا خرجت بكرامتي، وحقي جالي لحد عندي وأكتر مما كنت أحلم. عمي الحاج إبراهيم كتب لي شقة في المعادي ومبلغ كبير في البنك، وعوضني عن كل يوم ظلم شفته في البيت ده." صالح اتسمر مكانه واستغرب: — "الحاج إبراهيم؟! الراجل الساكت ده؟! عمل كدة إزاي وعلشان إيه؟!" — "عمل كدة عشان عارف إن ربنا حق.. وعارف إن بيته كان ماليانه الظلم. أنا مش راجعة الصعيد مكسورة يا صالح.. أنا هقعد في شقتي الجديدة، وهبدأ شغلي وحياتي، ومش هسمح لحد في الدنيا دي يكسرني تاني." مرت أيام قليلة.. وكانت مريم نقلت حاجتها البسيطة وبدأت تؤسس حياتها في الشقة الجديدة بالمعادي. المكان كان هادي، والشمس بتدخل من البلكونة تنور الصالة، وتحس فيه بريحة أمل جديدة ونظيفة لم تذقها من خمس سنين. قررت مريم إنها ما تقعدش حاطة إيدها على خدها، بدأت تفكر إزاي تستغل المبلغ اللي معاها عشان تبدأ مشروع صغير في الترزية والتطريز الصعيدي اللي كانت بتحبه وبارعة فيه، بس كانت محرومة منه في بيت عيلة حسن عشان "الست هانم" كانت بتعتبره قلة قيمة. في الوقت ده، كان بيت العيلة في السيدة زينب بيولع نار! الحاج إبراهيم تنفيذًا لكلامه، قفل حنفية الفلوس تماماً! حسن بقى بينزل كل يوم الصبح من الساعة سبعة ينظف دكان العطارة ويشيل الأجولة زي أي عامل بسيط، وبياخد مصروطه اليومي بالإيد من أبوه. والست هانم وبنتها سمر، بقوا قاعدين في الشقة يندبوا حظهم، لا قادرين يجيبوا شغالة، ولا قادرين يصرفوا زي الأول، والديون بدأت تتراكم على حسن اللي بقى يمشي في الشارع دماغه رايحة جاية. وفي يوم بالليل.. كان حسن قاعد على القهوة اللي على أول الحارة، يشرب شيشة وعينيه ماليانين ندم وقهر. سمع الشباب على القهوة بيتكلموا: — "شفتوا مريم مرّات حسن القديمة؟ والله وكانت بنت أصول.. ده عم محمد البقال بيقول إنها أخدت شقة ملك في المعادي وفتحت اتيليه تطريز وبقت ست بيت ومكسبة وبتمشي وراسها في السماء!" سمع حسن الكلام ده، والدم فار في عروقه. الحسرة أكلت قلبه لما افتكر إزاي سابها تخرج بشنطة هدومها، وإزاي طمع أمه وأخته هو اللي ضيعه وضيع بيته وحياته. قام من على القهوة وزق الكرسي بغضب، ومشي ناحية بيت أبوه وهو ناوي على حاجة واحدة بس.. إنه يروح لمريم المعادي، يترجاها ترجع له، أو حتى يطلب منها تتدخل وتنقذه من السجن المالي اللي أبوه حبسه فيه! وصل حسن تحت عمارة مريم في المعادي بالليل.. وققف يبص للشباك المنور في الدور الثالث، وسحب نفس طويل ورجله بتترعش وهو طالع السلم.. بس لما وصل قدام الباب ولسه بيرفع إيده عشان يخبط.. اتفتح الباب فجأة! وخرج منه شخص ما كانش حسن يتوقع وجوده هناك أبداً! اتفتح الباب، وخرج منه **"صالح"** أخو مريم الكبير! كان واقف بجهامته وطوله الهيبة، ولابس جلبابه الصعيدي ومربع إيديه، كأنه كان مستني اللحظة دي بالذات! حسن اتسمر مكانه على السلم، والكلمات اتجمدت في حلقه. رجع خطوة لورا وخوفه بان في عينيه، وقال بصوت متلجلج: — "صـ.. صالح؟! أنت هنا من ميتى؟!" خرجت مريم من ورا أخوها، كانت لابسة فستان هادي وأنيق، وشكلها متغير تماماً.. مفيش في عينيها نظرة الخوف ولا الانكسار بتاعة زمان، كانت واقفة بثبات وشموخ، وبصت لحسن بمنتهى البرود وقالت: — "خير يا حسن؟ جاي لحد المعادي ليه بالليل كدة؟ نسيت حاجة في شنطة الهدوم اللي خرجت بيها؟" بلع حسن ريقه بالعافية، وبص لصالح بخوف وبعدين بصلها بنبرة انكسار ومسكنة: — "مريم.. أنا جاي أتكلم معاكِ.. كلمتين بيني وبينك من غير حد يدخل بيناتنا. إحنا كان بينا عيش وملح خمس سنين، معقولة تتخلي عني في ثانية كدة؟!" ضحك صالح ضحكة سخرية هزت السلم وقال بصوت جهوري: — "عيش وملح؟! أنت بتعرف العيش والملح يا حسن؟! ده أنت نسيت الأصول والمرؤة من يوم ما سبت حريمك يمسحوا بكرامة اختي الأرض وأنت واقف زي التمثال! جاي دلوك تدور على العيش والملح لما الحبل اتلف حوالين رقبتك؟!" حسن غطى وشه بإيديه وقال بنبرة شحاتة وندم: — "أنا غلطان يا صالح! والله غلطان وأنا بعترف قدامكم.. أمي وأختي عموا عينيا، والشر كان مالي البيت.. بس أنا اتأذيت أكتر من أي حد! أبويا حرمنا من كل حاجة، قفل المحلات وكتب الوقف، ومخليني أشتغل خدام عنده في دكانه بمصروف يومي! البيت بيخرب يا مريم.. وأنا جاي أترجاكِ تسامحيني وترجعي معايا، أو حتى تتكلمي مع أبويا يفك الحصار ده!" اتقدمت مريم خطوتين ووقفت قدامه على السلم، وبصت في عينيه مباشرة وقالت له بكلام أتقل من الحجارة: — "أنا أسامحك؟! أسامحك على إيه ولا إيه يا حسن؟ على شبابي اللي ضاع تحت رجليك ورجلين أمك؟ ولا على الليالي اللي بتّ فيها مظلومة ودمعتي على خدي وأنت بتنام وتكبر دماغك؟ ولا على اللحظة اللي خرجت فيها من باب شارعكم مكسورة وكنت مستخبي جوه الأوضة خايف تنطق كلمة وداع؟" كملت كلامها ونبرتها بقت أحَدّ: — "أبوك الراجل الوحيد في البيت ده! أبراهيم بيه هو اللي أخد لي حقي لما أنت ما عرفتش تبقى راجل وتصون بيتك. والفلوس والشقة دي عوض ربنا ليا.. مش عشان أرجع للذل تاني، ولا عشان أكون كوبري تفك بيه أزمتك مع أبوك!" حسن بص لها بذهول وتوسل: — "يعني خلاص يا مريم؟ قفلتي الباب في وشي؟ مش فاكرة أي لحظة حلوة بينا؟" — "اللحظات الحلوة أنت قت/لتها يوم ما سيبتهم يرموني بره.. ويمين الطلاق اللي بيني وبينك ده كان أفضل حاجة حصلت لي في حياتي! اتفضل انزل يا حسن، وما تورينيش وشك هنا تاني.. عشان المرة الجاية أخويا صالح مش هيقف يتكلم معاك بالأدب ده!" صالح حط إيده على كتف حسن وزقه زقة خفيفة بس قوية نزلته خطوتين لتحت وقال له: — "سمعت خيتك قالت إيه؟ انزل يا ابن الحاج إبراهيم، واحمد ربنا إنك خرجت من العمارة دي على رجليك!" نزل حسن السلم وهو بيترعش، رجليه مش شايلاه، الحسرة والقهر بياكلوا في قلبه. خرج للشارع والبرد بيلطع في وشه، وبص لفوق لقاه النور طفي والبلكونة اتقفلت.. عرف إن مريم ضاعت منه للأبد، وإن كل محاولاته بقت بلا فايدة. رجّع حسن البيت في السيدة زينب وش الفجر.. لقى أمه "الست هانم" وسمر أخته قاعدين مستنيينه في الصالة والولولة مالية وشهم. أول ما شافوه، قامت أمه بلهفة: — "عملت إيه يا حسن؟! قابلت بت الصعيد دي؟ وافقت ترجع ولا كلمت أبوك يفك الحظر عن الفلوس والمحلات؟!" حسن بص لأمه وأخته بنظرة كره وغل، ومشي خطوتين ورمى الكاب بتاعه على الأرض، وسرخ فيهم بصوت زلزل الشقة: — "ارتاحوا بقى!! ارتاحوا وافرحوا بالخراب اللي وصلتونا ليه! مريم رفضت، وباعتني ورمتني زي ما رمتكم! وأبويا مش هيرجع في كلامه.. إحنا بقينا شحاتين بسبب غلّكم وطمعكم!" سمر اتجننت وقالت بغل: — "جرى إيه يا حسن؟! أنت جاي تحط العيب علينا إحنا؟! ما أنت اللي كنت موافق على كل حاجة!" هجم حسن على سمر ومسكها من جلابيتها بغضب: — "أنا كنت أعمى ومشي برأيكم يا عقربة! بس من النهاردة مفيش كلام ده تاني.. البيت ده هيبقى جحيم عليكم زي ما عملتوه جحيم على مريم!" وفي اللحظة دي.. اتفتح باب أوضة الحاج إبراهيم! خرج الحاج إبراهيم، كان لابس جلابيته البيضاء ومسك عصايته، وبص لهم الثلاثة بكل قسوة وقال: — "الصوت العالي ده يتلم! حسن.. من بكرة الساعة 6 الصبح تكون فتحت المحل ونزلت أجولة العطارة، وإلا اليوم اللي تغيب فيه مالكش مصروف! وأنتِ يا ست هانم أنتِ وبنتك.. الشغالة اللي كنتوا بتمشوا كلامكم عليها مشيت، من النهاردة تنزلوا تنظفوا البيت وتطبخوا بإيدكم، والبيت ده ما يدخلوش قرش زيادة عن الأكل والشرب بالعدل!" قرب الحاج إبراهيم من حسن وقال له بابتسامة ثقيلة: — "وعلى فكرة يا حسن.. مريم فتحت مشروعها النهاردة، وبكرة المحامي بتاعي نازل يسجل لها بقية أوراق الأملاك.. عشان تعرف إن ربنا لما بيدي الصابرين، بيدي بغزارة!" أما مريم.. ففي نفس الوقت كانت قاعدة في المعادي مع صالح، فاتحين الخريطة والتصاميم، وبدأت رسمياً أول خطوات مشروعها الجديد لتطريز الملابس الصعيدية والتراثية.. حياة جديدة، وراية مرفوعة، وقوة نابعة من قلب الوجع.