بقلم روماني مكرم 2

وقف حسن ذهولًا، وعينيه متسعة من الصدمة، بينما الشاي الدفيء على السجادة كان بيبخر، وصوت أنفاس “الست هانم” بقى مسموع وعلّي من كتر التوتر والخوف.

قرب حسن بخطوات مرعوبة ناحية الترابيزة، سحب الملف الأسود وإيده بتترعش، وفتح الأوراق بسرعة. كان بيقرأ والدم بيهرب من وشه تدريجياً لحد ما بقى أبيض زي القماش.

صصرخت أمه فيه وهي بتهز دراعه بجلطة وطمع:

— “في إيه يا حسن؟! انطق يا ابني! كتب إيه وألغى إيه؟! أبوك خرف ولا جرى لعقله حاجة في كبره؟!”

رفع حسن عينيه لأبوه، وشه ماليانه الحسرة والذهول، وقال بصوت مبحوح ومكسور:

— “أبويا تنازل عن محلات العطارة.. وعن الشقة الكبيرة اللي في شارع بورسعيد.. وكتب البيت ده بعقد انتفاع، ووقف كل إيرادات التجارة لحساب دار أيتام ومؤسسة خيرية.. وما سابش لينا غير مصروف شهري علاج ليكِ ولأمي بس.. بشرط!”

اتجننت “الست هانم” وسابت العقل في لحظة، هجمت على الحاج إبراهيم وهي بتصرخ بصوت زلزل الحارة:

— “شرط إيه يا إبراهيم؟! أنت اتجننت في آخر أيامك؟! عايز ترمي ضناك وتضيع شقى عمرك عشان مين؟! عشان الشغالة اللي طردناها اليوم؟!”

بص لها الحاج إبراهيم بكل برود وهدوء ثقيل، وقعد على كرسيه الخشب القش، حط رجل على رجل، وقال بصوت واطي بس يرعب:

— “الشرط يا هانم.. إن حسن يرجع مريم بعصمته ويكتب لها شقة السيدة زينب دي باسمها ملَك خالص، أو يفضل طول عمره يشتغل عندي في المحل بأجر عامل، وياخد المصروف اللي يمشيكو بالعافية.. والبيت ده؟ هيفضل باسم المؤسسة، وأول ما أنا أغمض عيني، المؤسسة تطلب إخلائه وتطردكم للمرة الثانية بس على الشارع بجد!”

دخلت سمر في النص وهي بتولول وبتبص لأخوها:

— “أنت ساكت له ليه يا حسن؟! انطق! ده حَقّك! دي فلوسنا وشقانا طول السنين دي! هي بت الصعيد دي عملت له عمل ولا سحرته عشان يضيعنا كدة؟!”

وقف الحاج إبراهيم فجأة، ضرب بقبضة إيده على الترابيزة ضربة هزت البيت كلو، وقال وهو بيشاور بإصبعه في وش سمر:

— “اسكتي يا عقربة! أنتِ وأمك اللي ضيعتوا البيت ده بغلّكم وطمعكم! خمس سنين وأنا شايفكم بتمارسوا القسوة والافترا على بنت ناس غريبة، ملهاش حد في القاهرة غيركم! خمس سنين وأنا ساكت وببلع القرف وأقول يمكن يطمر فيكم الأصول، يمكن حسن يطلع راجل ويصون بيته ومراته.. لكن طلع خيبة، مشي ورا كلام الحريم وباع اللي صايناه وراميها بشنطة هدومها زي الكلبة!”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *