اسلام احمد 1

مراته قربت بخطوات مسمومة وقالت بصوت واطي بس يخرم الأذن: “سيبها تصرخ يا ناصر.. خليهم يعرفوا إن عيالها مفيش فيهم ريحة الأدب. الولد شاف علبة الدوا بتاعة عمك وشاف… وشاف اللي مكنش ينفع يتقال. بقى الواد جايلك عشان ينقل كلام لأمه المتربصة؟”
الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة. دوا؟ ينقل كلام؟ الكلام كاشف عن حاجة أوسخ من مجرد خناقة حمام. ابني مكنش بيصرخ من العتمة، ابني شاف حاجة تخص أخو جوزي.. حاجة البيت ده كله داري عليها والتكتم عليها هو اللي مخليهم عايشين في الغل ده.
ابني جوة صوته بدأ يضعف، بيكح وبيشهق كأنه بيتخنق. الخوف الحقيقي مش إني أتسحل في الصالة، الخوف إن الواد يجرا له حاجة جوة من الخضة أو يقع على أرضية الحمام المبلولة.
تراجعت خطوة للورا، عملت نفسي هادية وعيني على الأوكرة. ناصر كان مفكر إني اتكسرت، مرخى إيده شوية وعينيه بتبص لمراته كأنه بياخد منها الإشارة الجاية. وفي أسرع من الرمش، طحت بكتفي في صدره بكل قوتي، اتكعبل في سجادة الصالة النساجة المقطعة، وفي ثانية كنت عند أوكرة الباب.
مسكت الأوكرة، كانت مقفولة بالترباس الخارجي القديم اللي هما مركبينه عشان يتحكموا مين يدخل ومين يخرج. سحبت الترباس بحديدته المصذية اللي قطعت جلفد إيدي، وفتحت الباب.
المشهد جوة الحمام نزل عليا زي السم المصفى.
الصبي الصغير كان قاعد في الأرض، ضامم ركبه لراسه في الركن الجانبي اللي جنب العافة، ووشه كله دموع ومخاط، وفي إيده الصغيرة المحشورة… كيس بلاستيك أسود صغير، ملفوف بسوليتيب عريض، وكان المكتوب عليه بألم شمع أسود، وجنبه علبة دوا بيضا فاضية ملهاش أسرار في صيدليات المنطقة، علبة جدول!
ابني رفيع وبيرجف، أول ما شافني اترمى في حضني كأنه طالع من القبر: “يا ماما.. عمو ناصر كان مخبي دي جوة السيفون.. أنا كنت بجيب اللعبة بتاعتي اللي وقعت، لقيته دخل عليا وضربني بالقلم وقفل النور وقالي لو اتكلمت هقطع لسانك!”
بصيت للكيس، وبصيت لناصر اللي كان قايم من الأرض وشها زي ج/ثة ميتة بقالها أيام. اللون هرب من وشه، والشر اللي كان مفنجر في عينيه اتقلب لإنكار وذهول. مراته جرت عليه وهي بتصوت بصوت مكتوم: “يا نهار أسود.. الواد مسكها!”

