صباح يوم سفري

محمد عبده

اللي كان لازم أعمله من زمان.
حماتها صرخت
إوعي! هتفضحي ابننا؟!
ندى بصتلهم بثبات
اللي عمل كده بنفسه هو اللي فضح نفسه.
رفعت الموبايل وضغطت رقم.
كريم جري عليها
ندى، اقفلي الخط!
لكنها كانت خلاص بتتكلم
أيوه، عايزة أبلغ عن تزوير وتلاعب في حسابات بنكية باسمي
سكتت لحظة، وبصت لكريم وهو واقف مصدوم
والعنوان هبعته حالًا.
المكالمة خلصت.
الصمت رجع بس المرة دي كان مختلف.
المرة دي مفيش حد مسيطر.
ندى أخدت شنطتها بهدوء، وفتحت الباب.
وقبل ما تخرج، قالت جملة واحدة
الطيارة لسه فاضلها وقت بس العد التنازلي الحقيقي بدأ دلوقتي.
وسابتهم واقفين
بين صدمة وخوف ونهاية عمرها ما كانت في حساباتهم.
ندى نزلت السلم بسرعة، قلبها بيدق بعنف بس خطواتها كانت ثابتة.
أول ما وصلت الشارع، وقفت تاكسي
المطار لو سمحت بسرعة.
ركبت وهي بتبص في موبايلها. إشعارات بتوصل ورا بعض مكالمات من كريم، من حماتها، وحتى من رقم غريب. لكنها عملت صامت.
بعد عشر دقايق، وصل لها إشعار جديد من البنك.
تم إيقاف بعض العمليات مؤقتًا لحين المراجعة.
ابتسمت لأول مرة من الصبح.
بدأنا.
في الشقة، كان التوتر وصل لأقصاه.
كريم كان ماشي رايح جاي
إنتي السبب! ليه دخلتيها في الموضوع بالشكل ده؟!
أمه ردت بعصبية
أنا؟! مش إنت اللي كنت بتسحب فلوسها وتقول كله تحت السيطرة؟!
كنت ناوي أرجّع كل حاجة!
إمتى؟ بعد ما تتحبس؟!
سكت لأنه لأول مرة مش لاقي رد.
وفجأة الباب خبط.
اتجمدوا مكانهم.
كريم قرب بحذر وفتح
اتنين واقفين قدامه.
أستاذ كريم؟
أيوه
معانا إذن بمراجعة بعض البلاغات المتعلقة بحسابات بنكية.
وشه اصفر.
في المطار، ندى كانت واقفة في الطابور، ماسكة جواز السفر وبطاقة الصعود.
الموظفة ابتسمت
رحلتك بعد ساعة. تتمني رحلة سعيدة.
ندى ابتسمت بهدوء لكن جواها كان في حاجة بتتغير.
وفجأة موبايلها رن.
رقم صاحبتها ريم.
ندى! إنتي فين؟ أنا مستنياكي!
في المطار.
بجد؟! كنت فاكرة إنك مش هتيجي بعد اللي حصل!
ندى سكتت لحظة وبصت حوالينها.
ناس مسافرة ضحك بداية جديدة لكل واحد.
أنا جاية يا ريم ومش هرجع زي الأول.
في نفس اللحظة، داخل الشقة
حضرتك محتاجين نشوف الأجهزة دي قال أحد الموظفين وهو بيشاور على اللاب توب.
كريم حاول يتمالك نفسه
أكيد بس ممكن نأجل الموضوع؟
البلاغ رسمي يا فندم.
حماته قعدت على الكرسي وهي بتتمتم
دي هتضيعنا
كريم همس لنفسه
ندى إنتي عملتي إيه
في المطار، ندى عدّت البوابة.
خطوة واحدة كانت كفاية تغيّر كل حاجة.
وقبل ما تطفي موبايلها، بصت على آخر رسالة وصلت من كريم
ارجعي ونحل كل حاجة.
ندى ابتسمت، وضغطت إيقاف.
متأخر.
رفعت راسها ومشيت ناحية الطيارة.
لأول مرة مش هتهرب.
لأول مرة هي اللي بتبدأ النهاية.
الطائرة ارتفعت، وصوت المحرك غطّى على كل حاجة كأن الماضي كله بيتسحب بعيد تحتها.
ندى غمضت عينيها للحظة وبعدين فتحتهم وهي بتتنفس بعمق.
المرة دي مش هترجع لنفس الحياة.
بعد ساعتين
وصلت الغردقة. الشمس كانت ساطعة، والهواء فيه ريحة بحر.
ريم كانت مستنياها على البوابة، أول ما شافتها جريت عليها وحضنتها
إنتي عملتيها بجد!
ندى ابتسمت
المرة دي مفيش رجوع.
ركبوا العربية، وفي الطريق حكت لها كل حاجة بالتفاصيل.
الفلوس التوقيعات البلاغ وكل لحظة وجع عاشت فيها.
ريم سكتت شوية وبعدين قالت
إنتي مش بس مشيتي إنتي قلبتي الطاولة كلها.
ندى بصت من الشباك
لأ أنا بس وقفت أسمح لهم يكملوا.
في القاهرة
كريم كان قاعد قدام ظابط التحقيق، إيده بتترعش
أنا ماكنتش أقصد أضرها.
لكن استخدمت توقيعها؟
كنت مضغوط
الضغط مش مبرر للتزوير.
حماته كانت برا، قاعدة على الكرسي، ملامحها اتغيرت تمامًا.
كل الثقة اللي كانت بتتكلم بيها اختفت.
تاني يوم
ندى كانت قاعدة قدام البحر، ماسكة قهوتها، وسايبة رجليها في الرمل.
موبايلها رن.
رقم غريب.
ألو؟
مدام ندى؟ مع حضرتك الأستاذة سلمى، محامية.
ندى اعتدلت في قعدتها
أيوه
بخصوص البلاغ اللي قدمتيه تم فتح تحقيق رسمي، وفي أدلة قوية جدًا. كمان فيه تجميد مؤقت لبعض الأصول.
ندى سكتت لحظة
تمام أنا جاهزة أكمل.
وفي نقطة تانية حضرتك عايزة ترفعي دعوى طلاق؟
ندى بصت للبحر الموج كان بييجي ويروح بهدوء.
أيوه عايزة أبدأ من جديد.
بعد أيام
القضية بدأت تاخد شكل أكبر.
تقارير بنكية مراجعات واستدعاءات.
اسم كريم بدأ يظهر في مشاكل مالية أكتر، وكل حاجة كان مخبيها بتظهر واحدة واحدة.
وفي الغردقة
ندى كانت واقفة قدام المراية، بتجهز تخرج مع ريم.
لبست فستان بسيط وابتسمت لنفسها.
لأول مرة من سنين شايفة نفسها بوضوح.
موبايلها وصل عليه إشعار
تم قبول طلب دعوى الطلاق مبدئيًا.
قعدت على السرير وبصت للرسالة.
لا دموع ولا خوف.
بس هدوء.
في نفس اللحظة
كريم كان قاعد لوحده في الشقة الفاضية.
صوت صدى خطواته هو بس اللي مسموع.
بص حوالينه كل حاجة كانت بتفكره بحاجة واحدة
إنه خسر.
مش بس القضية
خسر الشخص الوحيد اللي كان بيغطي على كل غلطاته.
ندى خرجت من الأوضة، وقبل ما تقفل الباب قالت لنفسها
دي مش نهاية
وابتسمت.
دي البداية.
والمرة دي كانت تقصدها بجد.
مرّت أسابيع وكل حاجة كانت بتتحرك بسرعة مش متوقعة.
القضية كبرت، والتقارير كشفت تفاصيل أخطر مما ندى كانت تتخيل.
مش بس تحويلات باسمها لكن شبكة ديون واتفاقات كان كريم بيغطيها بتوقيعات مزورة.
في قاعة المحكمة
ندى كانت واقفة بثبات، لابسة هدوم بسيطة، لكن ملامحها كلها قوة.
القاضي بص في الأوراق
الأدلة المقدمة تثبت وجود تلاعب وتزوير في مستندات مالية باسم المدعية.
كريم كان واقف على الطرف التاني، ملامحه مرهقة، صوته واطي
أنا كنت ناوي أصلّح كل حاجة
القاضي قاطعه
النية لا تُلغي الجريمة.
حماته كانت قاعدة ورا، دموعها بتنزل بصمت لأول مرة من غير أي كلمة.
المحامية سلمى قربت من ندى

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *