بقلم روماني مكرم2

ألتفتُّ لكمال الباشا، وممدت إيدي:
— “دلوقتي.. الديون اللي على الشركة 40 مليون. نكتب عقد الشراكة الجديد يا باشا؟”
كمال الباشا ابتسم، ولأول مرة كانت ابتسامته فيها لمحة احترام حقيقية. مسك إيدي وهزها بقوة.
— “أنتِ فعلاً العقل اللي كان ممشي المكان ده يا نوال.. العقد هيتكتب النهاردة، وبكرة الصبح تصفي كل حسابات المرحوم وتستلمي مكتبك الرئيسي.”
لكن قبل ما ألم أوراقي وأمشي، سمعنا صوت خبط منتظم وقوي على الباب الخارجي للمكتب.. خبطات مش خبطات زبون ولا محامي.. خبطات جزمة عسكرية ثقيلة!
وفجأة، الباب اتزق بقوة، ودخل راجل يرتدي زي ضابط شرطة، وخلفه أربعة من مخبري المباحث.
الضابط جرد الغرفة بنظراته الحادة، واستقرت عينيه عليا وعلى كمال الباشا والمحامي فرج.
— “مساء الخير يا حضرات.. النيابة العامة. معانا أمر بضبط وإحضار الأستاذة نوال عبد الصمد، والسيد كمال الباشا.. بتهمة التستر على جر\يمة قت\ل المرحوم سيد عبد الصمد، والاشتراك في تزوير وصيته!”
تجمّدت الدماء في عروقي.
تراجعت خطوة للوراء، والبدلة الرمادية التي كنت أدرع بها نفسي منذ الصباح بدت فجأة وكأنها درع صلب يضغط على أنفاسي. الضابط كان يقف بصلابة عند مدخل المكتب، ينظر إلينا بعينين صقريتين لا ترحمان، بينما انتشر مخبرو المباحث في زوايا الأوضة الضيقة لقطع أي طريق للهرب.
المحامي فرج كان أول من انهار؛ سقط القلم من يده، وتراجع بكرسيه حتى اصطدم بالرف الخشبي الخلفي، ليتساقط عليه عدد من مجلدات القانون القديمة بصوت مدوٍّ زاد من رعب اللحظة.
أما كمال الباشا.. فلم يتحرك شبرًا واحدًا.
ظل واقفًا وممسكًا بيده الفلاشة السوداء الصغيرة، وابتسامة ثقيلة ومظلمة بدأت ترتسم على شفتيه ببطء شديد. التفت ببرود ونظر للضابط، ثم أخرج من جيبه الداخلي علبة سجائر فضية، فتحها وأخرج منها سيجارة، وأشعلها بهدوء استفزازي جعل الضابط يخطو خطوة حازمة للأمام.
— “الرائد هشام.. بنفسه؟” قالها كمال الباشا بنبرة خفيضة، خالية تمامًا من أي مفاجأة: “من أمتى ورجال المباحث بيكسروا أبواب مكاتب المحامين في السيدة زينب من غير ما يستأذنوا؟”
الضابط — الرائد هشام — لم يبتسم، ولم يتراجع. أخرج من جيبه مطوية رسمية مختومة بختم النسر وألقاها على الترابيزة أمام المحامي المرتعد.

