بقلم روماني مكرم2

المحامي فرج شهق وتراجع لورا، وكأنه كان يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه.
كمال الباشا كمل بنبرة هادئة:
— “يعني قضايا قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وتزوير في أوراق رسمية، واختلاس أرصدة محجوزة. الإعدام شنقاً ده أبسط حاجة ممكن تاخدوها.. إلا لو نوال هانم قررت تلم الموضوع ونعمل ‘تسوية دية’ بعيداً عن حبل المشنقة.”
التفت كمال إليّ، وقال بصوت خفيض:
— “القرار قرارك يا نوال.. تسيبيهم للنيابة وياخدوا إعدام، والشركة تترس على الديون وتضيع منك.. ولا يوقعوا التنازل، وياخدوا فلوسهم المبتورة ويغوروا برة البلاد، وأنتِ تمسكي كل حاجة وتحمكي إمبراطورية سيد؟”
وقفت في منتصف الأوضة.
بين ج\ثة أخويا اللي لسة تحت التراب ومبردتش، وبين مراته القاتلة، وبين الباشا اللي عاوز فلوسه بأي طريقة، وبين حلم عمري اللي اتبنى بالدم والدموع في شوارع الجمالية.
أخذت نفساً عميقاً.
الدنيا مابترحمش الضعفاء، وأنا قضيت عشرين سنة ضعيفة ومستخبية ورا الستار. النهاردة الستار اتكشف، والمكان بقى ملكي.
— “هات القلم يا فرج..” قلتها ببرود عالي.
قدم المحامي القلم ببرود وأيادٍ ترتعش. رميته قدام صباح على الترابيزة.
— “وقعي يا صباح.. أنتِ وأخوكي. هتوقعوا على التنازل الكامل، وعلى شيكات بمبلغ الـ 2 مليون ترجع الحساب فوراً. ومقابل ده.. الفلاشة دي هتفضل في خزنة كمال الباشا، مش هتروح للنيابة.. بس لو لمحنا وشكم في القاهرة تاني، أو حاولتوا ترفعوا عينكم فيا.. الفلاشة هتكون على مكتب النائب العام في ظرف خمس دقائق.”
صباح بصت للقلم.. وبصت لأخوها اللي كان بيترجاها بعينيه عشان توثق وتنجد رقبتهم من المشنقة.
مسكت القلم، يدها كانت بترتعش بحدة وهي بتوقع اسمها على الأوراق ورقة ورقة. كل توقيع كان بمثابة تنازل عن كل خططها، وعن كل الغل اللي عاشت تغذيه سنين.
لما خلصت، رميت القلم على الطاولة، وقفت وسحبت شنطتها.
— “أنا كرهتك يا نوال.. طول عمري بكرهك.” قالتها صباح وهي بتمر من جنبي.
رديت عليها وأنا بصلها ببرود، ومن غير ما ارمش:
— “ومش طالعة من هنا طالبة حبك يا صباح.. اخرجي برة.”
خرجت صباح وجمعة يجران أذيال الخيبة والرعب، الباب اتقفل وراهم، وساد الصمت المكتب من جديد.

