عاصم الشريف
بقلم اماني سيد

ندى أدارت ضهرها ليه تماماً، ومسكت دراع عاصم تاني بابتسامة رقيقة وراحة بال عمره ما شافها في وشها وهي معاه.. وبدأ عاصم يقدمها لأكبر رجال الأعمال في البلد وهي بترد عليهم بلباقة وثقة عميا، والباب بيتقفل في وش جاسر للأبد، سايب وراه شريط ذكريات ظلمه اللي انقلب في لحظة لحبل مشنقة حوالين رقبته.
أول ما الباب اتقفل ورا ضهر جاسر ودينا، والضحكات والمجاملات رجعت تدندن في القاعة، ندى سحبت نفس طويل وحست بتقل السنين كله بينزاح من على صدرها دفعة واحدة. بصت في الفراغ للحظة، ورجع بيها شريط الذكريات لورا.. لسنين سابت في روحها ندوب مكنتش فاكرة إنها هتطيب أبداً.
افتكرت لما كان لسه على قد حاله، داخل عليها بعينين مكسورة ووعود معسولة: “لو وقفتي في ضهري يا ندى هنبقى في حتة تانية، فلوس ورثك من والدك دي هنكبر بيها سوا.. ده إنتي الخير والبركة يا حبيبتي.”
وساعتها صدقته بقلبها الأبيض ورمت تحت رجليه شقى عمر أبوها، كل مليم كان حيلتها عشان يفتح الشركة الصغيرة دي. وتعبت معاه، كانت السند والضهر، تطبخ وتوفر وتتحمل قلة الفلوس، ومسمعتش منه كلمة شكر واحدة لما الحظ ابتسمله والدنيا بدأت تفتح عليه.
بدل ما يشيلها على راسه، طمع.. ولما بدأت تلمح إن فلوسها لازم ترجع باسمها، استغل سذاجتها وقلة حيلتها، خلاها تمضي على أوراق ومخالصات وهي مش فاهمة، وسحب البساط من تحت رجليها لحد ما لقى نفسه صاحب الشأن والكلمة وهي مجرد خادمة في بيته.
ولما واجهته؟ ضحك في وشها بوقاحة واستعلى عليها بدينا.. ولما طردها بشنطة هدومها في نص الليل، لفت على مكاتب المحامين ودموعها مش بتنشف، بس ردهم كان واحد ومسموم: “الأوراق كلها في صالحه يا هانم.. ده دارس القانون كويس، ومفيش دليل يثبت إنك حطيتي مليم، إنتي مضيتي على تنازل رسمي.”
الكل قفل بابه في وشها، والشارع كان هيبلعها، وقصتها بقت حكاية بيتهامس بيها مجتمع رجال الأعمال عن نذالة وخسة جاسر مع مراته اللي بدأت معاه من الصفر.
وسط السواد ده كله، لقت إعلان صغير عن وظيفة سكرتيرة في مجموعة “عاصم الشريف”. راحت المقابلة بعينين حزينة لكن كان فيها كبرياء وإصرار إنها تاكل لقمة عيشها بشرف.
أول ما دخلت مكتبه، عاصم اتأملها بهدوء.. كان عارف وشها وعارف حكايتها كويس جداً من كلام الناس في السوق، وكان متفاجئ إن الست اللي مرت بكل الغدر ده، واقفة قدامه بمنتهى العزة والهدوء. شغلها فوراً، ومع الأيام والشهور، بدأ يشوف فيها الست الأصيلة؛ ذكائها في الشغل، وأمانتها اللي متتقدرش بمال، وقوتها اللي مخبياها ورا ملامحها الهادية.
