بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 2

لكن الأستاذ سامح لم يتوقف هنا؛ بل مسك جهاز التسجيل الصوتي الصغير، ووضع فيه الشريط المرفق وشغّله أمام الجميع.
تعالى في الحجرة صوت الحاجة فاطمة الواضح والنقي، يرافقه صوت أنفاسها الهادئة، وهي تقول في التسجيل الصوتي الذي سجلته قبل وفاتها بأيام قليلة:
«أنا فاطمة عبد الرحيم… أسجل هذا الاعتراف بصوتي في كامل قواي العقلية. ابني طارق حاول تزوير ملكية أرض التجمع ورهن البيت، واستغل مرضي وفترات تعبي. ولولا جارتي نادية التي كانت تدفع فواتيري وتراعيني من وراء الستار وتصون كرامتي، لكنت طُرِدتُ في الشارع قبل موتي. هذه الأرض وهذا البيت وقف لله تعالى تحت إدارة نادية، وكل تحويل أو ادعاء من طارق هو باطل ومزيف برسم القانون.»
ساد الغرفة صمتٌ رهيب، لا يقطعه سوى صوت التسجيل وهو ينتهي بصوت إغلاق الشريط.
انكشف كل شيء. الحقيقة سُطرت بالصوت والصورة والأوراق الرسمية التي لا تقبل الشك أو التأويل. نظر رئيس اللجنة إلى طارق وقال بلهجة قاسية:
— التقرير ده هيترفق فورًا بملف النيابة العامة، والمستندات دي تحت التحفظ القضائي الكامل.
خرّ طارق على ركبتيه فوق الأرض وهو يضع يديه على رأسه، وقد أدرك أن كيده قد عاد في نحره، وأن كل ما خططه وسرق وزور من أجله قد انهار في لحظات أمام تدبير جارتي العجوز التي استهان بعقلها وكرامتها.
خرجنا جميعًا من المنزل بعد انتهاء الساعة المحددة. تم تشميع البيت مجددًا، لكن هذه المرة كان الشمع يعلن اقتراب النهاية وانكشاف الحق كاملاً.
أخذني الأستاذ سامح إلى جانب الشارع وقال لي بنبرة فخر:
— الجلسة النهائية في المحكمة الأسبوع الجاي يا مدام نادية. الأرض والبيت والوقف بقى أمر واقع ومحسوم قضائيًا، وطارق يواجه عقوبة المشدد في قضايا
نظرتُ إلى شجرة الياسمين، وأحسست بنسيم بارد يلامس وجهي، وكأن روح الحاجة فاطمة تبتسم لي من بعيد وتطمئن على أمانتها التي صنتُها بحب وإخلاص.
لكن رغم انتصار الحق، كانت هناك كلمة واحدة قالتها الحاجة فاطمة في أواخر المذكرات اليومية التي لمحها المحامي قبل إغلاق الملف، كلمة تخص مستقبل البيت وشخصًا آخر غريبًا سيزور الشارع قاطقًا من سفر طويل فور صدور الحكم… شخصًا لم يكن يخطر على بال أحد!
