حكايات زهره الربيع 1

قربت بخطوات تقيلة كأني ماشي على جمر. صوابعي المرتعشة مسكت القفل القديم، وبدأت أضرب فيه بكل قوتي بحديدة كانت مرمية في الأرض. أكياس العرق كانت بتنزل على وشي تغمي عينيا، وقلبي كان هيقف من الرعب. مع كل خبطة كان صوت الأثاث بيئن، لحد ما القفل اتكسر واتفتح الباب بصرخة خشبة صديدة.

المشهد اللي شفته جوه يهد أعتى جبال الأرض…

“جنة” كانت قاعدة جوه الدولاب، ضامة ركبها لصدرها، راسها مايلة على جنب، وشاحبة زي التلج. عينيها كانت مقفولة بهدوء غريب، وكأنها أخيراً لقت الأمان اللي حرمتها منه ١٥ سنة. على دراعها الصغير كان فيه أثار بقع زرقا وندوب قديمة من قسوتي، وفي إيدها الميتة كانت ماسكة دفتر صغير ومطبقة عليه بأصابعها الزرقا.

صرخت… صرخة طلعت من جحيم صدري، صرخة هزت أركان البيت كله. وقعت على ركبيا فوق المية، وجريت عليها مسكتها، حطيت راسها على صدري ولأول مرة في حياتي أضمها… لأول مرة ألمس بنتي. كانت ساقعة زي حتة التلج، مالهاش أي صوت ولا نفس. الوش اللي كنت بشوفه “ملعون” و”شيطان”، كان وقتها أشبه بوش ملاك نايم ومستريح من عذاب الدنيا.

مراتي الجديدة دخلت تجري على الصوت، وأول ما شافت المنظر صرخت ولطمت على وشها وشالت ابنها وغطت عينيه، وهي بتصرخ: “عملت إيه في البنت يا عزيز؟! قتلتها بقسوتك! قتلتها!”

ماكنتش بسبعها، ولا كنت حاسس باللي حواليا. عينيا راحت للدفتر الصغير اللي كان يقع من إيدها الساقعة. سحبت الدفتر ببطء فتحته، وكانت دي الصدمة الأكبر… السر اللي دمر حياتي ونسف كل اللي كنت فاكره حقيقة.

الدفتر كان مذكرات “جنة” اللي كانت بتكتبها من وهي صغيرة في السر، بالخط المكسر اللي تعلمته بالعافية من كتب مراتي.

قريت السطور والألم بياكل في أحشائي:

“النهاردة بابا ضربني ورمالي الأكل على الأرض… أنا مش زعلانة منه، أنا عارفة إنه بيحبني بس هو زعلان عشان فاكر إن ماما سابته وهربت. بابا ما يعرفش الحقيقة… أنا شفت كل حاجة وأنا عندي خمس سنين. أنا شفت ماما وهي بتحطلك المنوم في المية يوم ما مشيت. وشفت الراجل الغريب اللي جه أخدها مع الدهب والفلوس. يومها ماما قبل ما تمشي بصتلي وقالتلي: (لو نطقتي كلمة لأبوكي هعمل فيكي زي ما عملت في عروتك القديمة)… وسابتني ومشيت مع الراجل ده.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *