حكايات زهره الربيع 1

دموعي نزلت بغزارة تعمي عيني، والصفحة اللي بعدها كانت أشد وأقسى:

“أنا كتمت السر طول السنين دي عشان كنت خايفة الراجل ده يرجع يقتلك يا بابا. كنت بشوفك بتكرهني وبتحسبني نسخة منها، بس أنا والله ما شبهها… أنا كنت مستعدة أتحمل العذاب والضرب، وأكل من الأرض، وألبس الجزمة المقطوعة، بس المهم إنك تفضل عايش ومحدش يئذيك. ماما ما ماتتش عند ربنا زي ما قلتلي… ماما خانتك وعاشت حياتها، وأنا اللي دفعت التمن.”

وفي أخر صفحة، بخط يرتعش وبقع دموع ناشفة على الورق، كانت كاتبـة:

“النهاردة كملت ١٥ سنة… ولقتني بقيت شبهها أكتر. كل ما بتشوفني بتتوجع، وأنا مش قادرة أشوف الوجع في عينك أكتر من كده. السر ده كان خانقني، بس خلاص… أنا أخدت الشريط اللي لقيتها سايباه في الدولاب زمان، الشريط اللي كان فيه صوتها وصوت الراجل ده وهما بيبتعدوا ويضحكوا عليك. الشريط تحت السرير يا بابا… اسسمعه عشان تعرف إن بنتك ما خانتكش، بنتك حمتك… وأنا دلوقتي رايحة عند ربنا بجد، عشان ترتاح من الوش اللي بيسد نفسك.”

نزلت على الأرض أزحف تحت السرير، سحبت الشريط القديم وأنا بنتحب زي الطفل الصغير. كان شريط تسجيل صغير… شغلته في التسجيل القديم بصوابع بتترعش، وجالي الصوت… صوت “سهيلة” وهي بتضحك وسخرية راجل معاها وبيخططوا لسرقتي والهروب، وصوت “جنة” الصغير وهي بتبكي في الخفاء وتترجاهم ما يئذونيش!

الحقيقة ظهرت كالشمس، بس بعد إيه؟

بعد ما قتلت الأمل الوحيد اللي كان فاضلي… بعد ما عذبت الملاك اللي حماني وضحى بحياته عشان خاطري.

بصيت لج\ثة بنتي اللي مالية الأوضة، والندم بياكل في قلبي زي النار. مسكت إيدها الساقعة وبستها مية مرة، صرخت في الضلمة وأنا بتمنى الأرض تتشق وتبلعني. السنين اللي فاتت كلها مرت قدام عيني: عياطها، طبق الأكل اللي على الأرض، صوابعها اللي بتتغرز فيها الإبرة وهي بتخيط جزمتها، ودموعها وهي باصة للحيط… كل ده كان عشان تحميني أنا!

وفجأة… وأنا ضامم ج\ثتها لصمغ صدري وبنتحب، حسيت بنبض ضعيف جداً جداً بينزل من إيدها، وحركة خفيفة أوي في صوابعها الساقعة…

فتحت عينيا على وسعها وقلبي اتنفض في صدري كأن الروح ردت فيا أنا مش فيها. مسكت إيدها بلهفة مجنونة، حطيت صوابعي على نبض رقبتها… كان فيه نبض خفيف أوي، ضعيف زي خيط حرير عايم في المية، بس كان بيتحرك! البنت ما ماتتش، البنت غايبة عن الوعي ومضروبة بغيبوبة سكر أو قلة أكل مع حبسة الأوضة والتعب!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *