حكايات زهره الربيع 1

صرخت في مراتي بصوت هز جدران البيت: “البنت حية! إجري هاتي ملاية وسريعة اطلبي الإسعاف يا حريمة… إجري!”

شلتها بين إيديا، ولأول مرة أستوعب أد إيه كانت خفيفة، ريشة شايلاها الريح. عظامها كانت باينة تحت جلدها الناشف، ورجلها اللي كانت بتخيط جزمتها كانت ملفوفة بخرقة قديمة. نزلت بيها على السلم وبجري زي المجنون في الشارع، من غير جزمة في رجلي ولا حاسس بالطين ولا بالناس اللي بتتفرج عليا وبتشاور. كنت بصرخ في الشارع: “الحقوني! حد يلحق بنتي! يا رب ما تاخدهاش مني دلوقتي… خوذني أنا وسيبها هي!”

وصلت بيها المستشفى العام، الأطباء اتلموا حوليا وشالوها مني بسرعة ودخلوها أوضة الطوارئ. وقفوني برة، والباب الاتوماتيك اتعزل بيني وبينها. قعدت على الأرض قدام الباب، بضرب راسي في الحيطة الخرسانة وبصرخ بصوت مكتوم. الدنيا كانت بتدور بيا، وكل كلمة كتبتها في دفترها كانت بتتعاد في ودني زي الجرس: “أنا مش شبهها… أنا كنت مستعدة أتحمل العذاب والضرب عشان تفضل عايش.”

مراتي جابت ابني وجات ورايا المستشفى، كانت خايفة ومنهارة. قعدت جنبي في الممر وقالت بصوت بيترعش: “عزيز… الورقة اللي كانت معاها… إيه السر اللي دمرك ده؟ إيه اللي حصل زمان؟”

بصيتلها بعيون ماليها الدم والكسرة، وماقدرتش أرد. مسكت دفتر “جنة” المبلول بدموعي وضمتها لصدري. مراتي سحبت الدفتر ببطء وقرت اللي فيه. شفت ملامح وشها وهي بتتغير من الصدمة، إيدها قعدت ترتعش، وبصتلي بذهول وقالت: “يعني البنت كانت صايناهم كل السنين دي؟ وأنت كنت بترميزها الأكل في الأرض وهي كاتمة الجرح ده جوة قلبها؟ يا نهار أسود يا عزيز… إحنا عملنا إيه في الملاك ده؟!”

خرج الدكتور بعد ساعتين كاملين، كان وشه شاحب ومجهد. جشيت عليه ومسكت في بالدجال بتاعه وأنا بترجاه: “بنتي يا دكتور… قول إنها عايشة، قول إنها هتعيش وأنا هبوس رجليها طول العمر!”

الدكتور نهش إيدي بأسى وقال: “البنت حالتها حجة جداً. عندها سوء تغذية حاد، وجفاف شديد، ونسبة السكر واطية بدرجة مرعبة… ده غير إن عندها آثار ضرب وحروق قديمة وجروح مش متثبتة صح. هي دخلت في غيبوبة، والمخ مش واصله أكسجين كافي. إحنا حطيناها على أجهزة التنفس في الرعاية المركزة… والأمر كله بيد ربنا. الأدعية هي اللي فاضلة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *