حكايات زهره الربيع 1

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. سيبت كل حاجة وقعدت جنب شباك الرعاية المركزة. كنت بباينها من ورا الزجاج؛ سلك الأكسجين في مناخيرها، والمحاليل متوصلة بإيدها الصغيرة اللي ما شالتش غير الإبرة والخيط عشان ترقع جزمتها.

عدت أيام وأنا مش بفارق المستشفى. ما بضوقش النوم ولا الأكل. بقيت أنام على الكرسي الخشب قدام الأوضة، وكل ما حد يقرب مني أقوله: “جنة هتقوم… هي عارفة إن أبوها مستنيها تعاقبه.”

في اليوم الخامس، وكنت قاعد ماسك الشريط الصغير اللي فيه صوت أمها الخائنة، دخلت لمدير الأمن في المستشفى عشان أبلغ عن اللي حصل زمان. ماكنتش فارق معايا نفسي ولا السجن، كل اللي كان يهمني إن الحق يظهر وأخد حراس بنتي وحقي من الست اللي دمرت حياتنا. البلاغ اتفتح، والشرطة بدأت تدور على “سهيلة” والراجل اللي هربت معاه بعد ما أدلتهم بكل المعلومات والشريط التسجيلي اللي كان الدليل القاطع على سرقتها وخيانتها.

وفي ليلة ممطرة، وأنا قاعد قدام أوضة الرعاية، سمعت أجهزة القياس جوة الأوضة بتعمل أصوات إنذار متسارعة!

الأطباء والممرضات جروا على الأوضة ودخلوا يقفلوا الستائر. قلبي وقف، وبدأت أضرب على الزجاج وأصرخ: “جنة! لا يا جنة… ما تمشيش وأنتِ زعلانة مني! تعالي اضربيني، خدي حقك مني بس ما تسيبنيش!”

خرج الدكتور بعد دقايق طويلة، كان بينهج وعرقه نازل، وبصلي ونطق الكلمة اللي هزت كياني كله: “القلب وقف مرتين… بس استجابت للصدمات. البنت فتحت عينيها يا عزيز… وبتقول كلمة واحدة بس.”

جريت لجوة الأوضة كأن عزرائيل سابني، وقربت من سريرها. عينيها كانت مفتوحة ببطء شديد، رموشها بتتحرك بتعب، وأول ما شافت وشي… النبض على الشاشة بدأ يستقر.

نزلت على ركبي جنب السرير، مسكت إيدها وحطيتها على وشي وأنا بنتحب: “سامحيني يا جنة… سامحي أباكي الملعون اللي كان أعمى. أنا عرفت كل حاجة… عرفت إنك أعظم بنت في الدنيا، وإن أمك هي اللي كانت الشيطان مش أنتِ.”

شفايقها المبلولة بالمرطب اتحركت بصعوبة، وطلعت صوت واطي أوي، زي الهمس:

“بابا… أنت… مش زعلان مني؟”

الكلمة قطعت قلبي حتت. البنت المحتضرة، اللي شافته من العذاب ما يتعملش في أعداء، أول حاجة بتفكر فيها هي إنها تطمن إني مش زعلان منها!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *