حكايات زهره الربيع 1

​رفضت أدخلها المدرسة، ولولا زن مراتي عليا ما كنتش دخلتها. فضلت طول الوقت بطقم مدرسه واحد لما ضاق عليها و لما جات تنقل من الابتدائي للإعدادي وجزمتها الوحيدة اتقطعت، طلبت مني واحدة جديدة، صرخت فيها وطردتها. كانت تقعد بالليالي تخيط الفردة المقطوعة بإيدها الصغيرين والإبرة تغرز في صوابعها، وعيال المنطقة يضحكوا على شكلها في الشارع.

​كل ما كانت تكبر، كانت ملامح أمها بتوضح فيها أكتر، وكل ما كانت ملامحها توضح، كل ما جنوني يزيد. كنت بحبسها بالأيام في أوضة ضلمة من غير سبب، لمجرد إني مش قادر أشوف الوش ده قدامي.

عدى عشر سنين كاملين وبقت عندها ١٥ سنه ونفس الوش اللي بكره متغيرش…ونفس الحقد في قلبي مقلش ابدا

​ولحد ما في يوم ​صحيت بدري عشان عندي مشوار، وكنت محتاج هدومي مكويه. مسكت جردل المية الساقعة زي عادتي عشان أرميه على وشها وأصحيها تلحق تكوي. دخلت الأوضة، والهدوء كان مرعب. الأوضة فاضية… والسرير متسوي.

​جردل المية وقع من إيدي وغرق الأرض. الموقف كان بيتكرر بحذافيره، ونفس الكابوس بيتعاد. على الكومودينو، كان فيه كباية مية، وتحتها ورقة متطبقه.

​إيدي كانت بترتعش وركبي بتخبط في بعضها وأنا بمد إيدي للورقة. كنت متأكد ومستعد أقرأ إنها هربت هي كمان زي أمها… كنت بدعي متكونش عملت اللي امها عملته.

​بس لما فتحت الورقة وقريت المكتوب فيها…ماكنش خبر هروبها… اللي عملته كان أفظع بمراحل من الهروب، حاجة تتخطى عقلي وتفكيري. والسر اللي سابتهولي مكتوب بخط إيدها في أخر السطور دمرني ،رجليا شالتني بالعافية قبل ما أقع على ركبي في نص الأوضة، الصدمة شلت لساني،واتمنيت لو كانت هربت فعلاً ولا إني أقرأ الكلام ده!!!!

فتحـت الورقة بإيد بترتعش ونبضي بيخبط في دماغي زي المطرقة. ماكنتش قادرة عيني تثبت على السطور من كتر الرعب، بس أول ما قريت أول كلمة، الدنيا كلها اسودت في وشي:

“بابا… لو أنت بتقرأ الورقة دي دلوقتي، فغالباً ج\ثتي في دولاب الأوضة المقفول اللي بقالك سنين ناسي مفتاحه، أو في قاع النيل لو السر أخدني وراحت روحي. أنا ما هربتش زي ما أنت فاكر ولا مشيت… أنا خلصتك من الوش اللي بتكرهه.”

رجليا اتسمرت في الأرض، والورقة وقعت من إيدي على المية المكبوبة. جافاني العقل والرشد، وبقيت بجر رجلي بالعافية ونظري متعلق بالدولاب الخشب القديم المركون في زاوية الأوضة الضلمة. الدولاب ده كان مقفول من سنين طويلة، من يوم ما أمها مشيت، وكنت دايماً مطنش أفتحه أو أشوف إيه جواه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *