حكايات روماني مكرم

جه يوم فرح “نور”.. الجو في الحارة كان فيه زغاريد، والصوت واصل لحد شقتنا. زينب كانت واقفة قدام المراية ووشها أصفر، بس عينيها أهدى. جيت وقفت وراها، وحطيت إيدي على كتفها وقلت: “أنزل أبارك، ولا تحبي أفضّل جنبك؟”. بصتلي في المراية وقالت بصوت هادي: “انزل يا فلان.. سلم على العريس، وادعي لنور من قلبك إن ربنا يرزقها بالستر.. وانسى إن كان فيه يوم اسمها على لسانك”.

نزلت الشارع، شفت نور بالطرحة البيضا، زينة العرايس، كانت طالعة زي القمر.. بصتلي من بعيد نظرة أخيرة، نظرة عتاب ووداع، هزيت رأسي ليها بالدعاء، ومشيت في طريقي ودعيت من قلبي إن ربنا يعوضها عن كل الوجع اللي شافته بسببي.

بعد الفرح بأيام، جمعت هدومي وهدوم زينب في شنطة واحدة. وقفت في نص الصالة، الشقة اللي شهدت على موت ولادنا وكسرة قلوبنا، وقلت لزينب: “الشقة دي فيها كابوسنا، والشارع ده فيه ذكريات بتخنقنا.. أنا أجدت حتة أرض صغيرة في أطراف البلد، وهبني فيها بيت صغير بكتفي ودراعي.. وهنبدأ من جديد، مش عشان نسيب اللي فات، بس عشان نتعلم نعيش معاه”.

زينب هزت رأسها بالمرور، وخرجنا من باب الشقة وقفلناه ورانا للأبد.

مرت السنين ثقيلة، وشقايا في البناء والعمل الشاق خلاني راجل تاني، راجل كسر كلمة أهله وعاش بدراعه. زينب ما بقتش تحبني زي العشاق، ولا أنا بقيت أحلم بالحب الوردي، لكن بقينا سند لبعض، بيننا عشرة ومودة اندفنت تحت ركام المأساة وتولدت من جديد. وفي يوم، وأنا راجع من الشغل غرقان في عرقي، لقيتها قاعدة مستنياني ووشها فيه ابتسامة دافية غايبة من سنين، حاطة إيدها على بطنها وبتقولي بنبرة مليانة أمل: “الرحم اللي قالوا اتدمر.. ربنا رد فيه الروح تاني يا فلان”.

وقفت ذهول، ودموعي نزلت، وعرفت إن ربنا بيدي فرصة ثانية للي بيتعلم من أخطائه. الماضي مش بيتنسى، والجرح بيعلم في الروح، بس الحياة بتستمر لما نعرف إن الوفاء مش بالكلمات ولا بالعند.. الوفاء إما تحمل مسؤولية اختياراتك بشجاعة، أو الرحيل بشرف.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *