حكايات روماني مكرم ج1

اقتربت ياسمين من والدها، أخذت من يده بوكيه الورد، وحضنته بآلية جافة، ثم التفتت لوالدتها وقبلت رأسها، وقالت بصوت ناعم ولكن له نبرة حادة كالمشرط:

ـ اتفضلوا يا بابا، اتفضلي يا ماما… البيت بيتكم، ونورتم شقتي.

تدخل كريم محاولاً تدارك الموقف قبل أن يتفاقم، واقترب بابتسامة متكلفة:

ـ أهلاً يا عمي، اتفضلوا اتفضلوا… معلش الطريق كان زحمة، وإحنا افتكرناكم هتتأخروا أكتر من كده، فـ…

قاطعته ياسمين بنظرة واحدة جعلت الحروف تتجمد في حلقه، ثم وجهت كلامها لوالدها بثبات:

ـ ادخلوا ارتاحوا في الصالون، الأكل الفاخر في الطريق، خمس دقائق ويوصل.

هنا وقفت الحاجة نوال، ووضعت كوب الشاي برعونة على الطاولة ليرن صوته في المكان، وقالت بصوت عالٍ وزعيق مباغت:

ـ أكل إيه اللي في الطريق يا ياسمين؟ ومن أفخم مطعم في الزمالك؟ إيه التبذير والافتراء ده؟! هو إحنا مش لسه آكلين وشبعانين؟ ولا إنتِ فاكرة جوزك بيكسب الفلوس دي من الشارع علشان تطيريها في دقيقة عشان تعملي شو ولقطة؟

لم تلتفت ياسمين إليها، بل مشت بخطوات هادئة نحو السفرة التي كانت تملؤها الأطباق المتسخة وبقايا الطعام. وبدون أن تنطق بكلمة واحدة، بدأت تجمع الأطباق الفارغة، والصواني الممسوحة، وأحذت الفوطة ومسحت السفرة تمامًا حتى أصبحت تلمع. ثم حملت بقايا الأكل التي تركها كريم وأمه وأخته، وألقتها بالكامل في سلة القمامة أمام أعينهم جميعًا.

شهقت دينا وقالت بزهول:

ـ إنتِ بترمي الأكل يا ياسمين؟ ده افتراء على النعمة!

ردت ياسمين دون أن تنظر إليها، وهي تغسل يديها على الحوض:

ـ دي مش نعمة يا دينا… دي كانت قلة قيمة. والزبالة هي المكان الطبيعي لأي حاجة تتقدم بأسلوب رخيص.

شاط كريم غضبًا، واقترب منها في المطبخ، وهمس بصوت مكتوم وهو يجز على أسنانه:

ـ إنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي مع أمي وأختي كده؟ وإزاي تسحبي المبلغ ده كله من الفيزا المشتركة من غير ما ترجعيلي؟ أنتِ فاكرة نفسك بتعاقبيني؟

توقفت ياسمين عن تجفيف يديها، ونظرت إلى كريم. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيها كريم في عيني زوجته ولا يرى فيهما ذلك البريق الوديع الذي اعتاده على مدار ثلاث سنوات. رأى فقط جدارًا من الثلج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *