حكايات روماني مكرم ج1

قالت له بهدوء مرعب:

ـ الفيزا دي فيها فلوس مؤخري وفلوس الجمعية اللي أنا مدخلاها بمرتبي. يعني فلوسي يا كريم. أما عن أمك وأختك، فدول ضيوفك، أكلوا وشبعوا وداسوا على كرامة أهلي… ودلوقتي دوري أنا وأهلي نعيش ليلتنا بالطريقة اللي تليق بينا.

جرس الباب رن. كان مندوب التوصيل قد وصل.

فتحت ياسمين الباب بنفسها، واستلمت الحقائب الفخمة التي تفوح منها رائحة الأكل المشوي والمكرونات الفاخرة والحلويات الغربية. أخذت الوجبات، ودخلت إلى السفرة. وضعت الأطباق الكريستالية النظيفة، ورتبت السفرة من جديد بأسلوب راقٍ يليق بمناسبة كبرى.

جلس والدها وأمها، وعلى وجوههما علامات الذهول وعدم الراحة. حاول والدها أن يلطف الجو وقال بصوت خفيض:

ـ يا بنتي ما كانش له لزوم كل ده… إحنا كنا ممكن ناكل أي حاجة في البيت أو نعدي الموضوع.

ردت ياسمين وهي تضع طبق الستيك الفاخر أمام والدها:

ـ أنت معلمني يا بابا إن اللي ما يحترمش وجودك، ما يستاهلش تقعد على سفرته. والنهارده عيد جوازكم الـ35، وأنا مش هسمح لأي حد في الدنيا يكسر فرحتكم أو يحسسكم إنكم غير مرحب بيكم في بيت بنتك.

في هذه الأثناء، كانت الحاجة نوال تقف في زاوية الصالة تتآكل من الغل. لم تكن تتوقع أن تتصرف ياسمين بهذه القوة. كانت تعتقد أن ياسمين كعادتها ستبكي في المطبخ، وتستسلم للأمر الواقع، وتكتفي بالاعتذار لأهلها بصوت خفيض. لكن هذه الردة الحاسمة جعلتها تشعر بصغر حجمها.

قالت نوال بنبرة ملؤها السم:

ـ والله كتر خيرك يا ياسمين… بتبدلي أكل بيتك بأكل مطاعم عشان تقومي بالواجب مع أهلك، وبتحسسينا إننا أكلنا أكلك وقطعنا عيشك! عمومًا يا كريم، إحنا ماشيين، البقاء لله في الذوق والأصول اللي أتربينا عليها.

قامت دينا وجمعت حقيبتها وقالت بغرور:

ـ يلا يا ماما، المكان واضح إننا مالناش قيمة فيه.

كان كريم يتصبب عرقًا، ونظر إلى ياسمين بقلة حيلة متوقعًا منها أن ترتعب، أو تحاول إيقاف أمه كما تفعل كل مرة، وتترجاها ألا تغضب. لكن ياسمين مشت بكل هدوء نحو باب ، فتحته على وسعه، وقفت بجانبه، وقالت بابتسامة باردة:

ـ مع السلامة يا طنط… طريق السلامة يا دينا. خطوة عزيزة.

ذهلت نوال، واتسعت عينا كريم من الصدمة. خرجت نوال ودينا وهما يتمتمان بكلمات الغضب والتهديد، وإغلاق الباب خلفهما بصوت هز الشقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *