بقلم نور محمد 1

وفي بيت أهلي، رن تليفوني في وقت متأخر من الليل. شفت اسم “أحمد” على الشاشة. المرة دي، قررت أرد.
رفعت السماعة وقلت بهدوء: “أيوة يا أحمد..”
جاني صوته من الناحية التانية، مختلف تماماً عن كل مرة، صوت راجل أخد قرار صعب ولأول مرة واقف على أرض صلبة: “ندى.. أنا لسه قافل شنطي، ونقلت الشقة الجديدة. مش بطلب منك ترجعي بكرة، بس بطلب منك تديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إن أحمد اللي سكت زمان.. مات في الليلة دي.”
سكتّ لثوانٍ طويلة والسماعة على أذني، صوته عبر الهاتف كان يحمل نبرة لم أعتدها منه طوال سنوات زواجنا؛ لم تكن نبرة الاستعطاف المتخاذلة التي يهرب بها من المشاكل، بل كانت نبرة رجل أدرك أخيرًا ثقل الهزيمة وقرر أن يتحمل مسئولية خياراته.
تنهدت ببطء وقلت بنبرة هادئة ولكن غير متساهلة: “أحمد.. الخطوة التي اتخذتها اليوم ليست من أجلي أنا فقط، بل من أجلك أنت أيضًا. إذا كنت نقلت إلى الشقة الجديدة لتمنّ عليّ أو لتصالحني فقط، فصدقني ستتعب قريبًا وترى أنني السبب في إبعادك عن أهلك. أما إذا كنت فعلت ذلك لأنك أدركت حقًا أن للبيت حرمة وللكرامة خطًا أحمر، فوقتها فقط يمكن أن نبدأ الحديث.”
رد بصوت خافت ولكن وثيق: “أنا عملت كده لأني اكتشفت إني كنت خايف أكون راجل في بيتي يا ندى. كنت فاكر إن طاعة أمي بتقتضي إني ألغي وجودك، وإني لما أسكت على إهانتك بكون بشتري دماغي وبحافظ على البيت، بس اكتشفت إني كنت بهدمه بيدي كل يوم. الشقة الجديدة جاهزة، وأنا مش مستعجل، خدني على قد عقلي واديني فرصة نتقابل، نتعرف على بعض من جديد بعيدًا عن أي ضغوط.”
قلت له: “نتقابل بكرة بعد الشغل يا أحمد.. في مكان محايد.”
في اليوم التالي، التقيت بأحمد في أحد المطاعم الهادئة البعيدة عن منطقتنا القديمة. كان يرتدي قميصًا بسيطًا، وبدت عليه علامات الإرهاق ولكن عينيه كانتا حاضرتين بوضوح غير مسبوق. جلسنا، ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن الشبح الجاسم لـ “عشاء الخميس” يتوسط الطاولة بيننا. لم تكن هناك نظرات تقييم، ولا خيارات مفروضة، ولا أسئلة ملغومة تنتظر خطأ صغيرا لتتحول إلى جحيم.
بدأ أحمد الكلام وهو ينظر في عيني مباشرة: “أنا سلمت أوراق الشقة الجديدة، ونقلت جزءًا من العفش الأساسي. أمي رفضت تتكلم معايا وأنا نازل، ومروة كانت بتتفرج من بعيد وهي مش مصدقة إن الخطوة دي حصلت فعلاً. أمي فاكرة إني راجع بعد يومين لما أكتشف إني مش قادر أعيش من غير خدمة البيت القديم، بس أنا حسمت أمري.”

