بقلم نور محمد 1

قضينا أيامنا الأولى في الشقة الجديدة في هدوء واستقرار لم نذقه من قبل. أعدنا ترتيب حياتنا، وأصبح لدينا نظامنا الخاص؛ نعمل معًا، نطهو معًا، ونتناقش في قراراتنا بكل حربة.

ولكن الدراما لم تنتهِ تمامًا، فالنفوس التي اعتادت السيطرة لا تستسلم بسهولة.

بعد مرور ما يقرب من أسبوعين على استقرارنا، وفي يوم أربعاء داكن، ورد اتصال هاتفي لأحمد أثناء وجودنا في المساء. كان المتصل هي “مروة” سلفتي، وكان صوتها يعلوه التوتر والاضطراب.

أخبرت أحمد أن الحاجة ثريا تعرضت لأزمة صحية مفاجئة، وأن ضغط دمها ارتفع بشكل خطير بعد مشادة كلامية مع أحد الأقارب بسبب كلام شاع في العائلة عن استقلال أحمد، وأنها ترقد في المستشفى وتطلب رؤيته.

ارتبك أحمد وبدت عليه علامات القلق البالغ. رغم كل ما حدث، تظل الأم أمًا، والمشاعر المعقدة لا يمكن محوها بلحظة.

نظر إليّ أحمد بتردد ملحوظ وهو يمسك بمفاتيح السيارة: “ندى.. أمي في المستشفى.. أنا لازم أروح فورًا.”

قمت من مقعدي بثبات، وأخذت معطفي وقلت بهدوء: “أنا جاية معاك يا أحمد.”

بص لي بدهشة: “تيجي معايا؟ بس إنتي عارفة إن الوضع ممكن يكون مشحون هناك، ومروة والحاجة ممكن يضايقوكي..”

ابتسمت بثقة وقلت: “أنا مش رايحة عشان أستجديهم أو أطلب رضاهم.. أنا رايحة مع زوجي عشان أقف جنبه في ظروف زي دي. أنا مش خايفة من المواجهة تاني يا أحمد، لأن الحدود خلاص اترسمت، وما حدش يقدر يتعداها.”

ركبنا السيارة وانطلقنا نحو المستشفى. كان الليل ساجيًا، والشارع يمتد أمامنا سالكًا، تمامًا كوضوح الرؤية في عقلي. لم أعد تلك الزوجة المهزوزة التي تخشى لوم حماتها أو نظرات سلفتها؛ لقد أصبحت امرأة تعرف تمامًا أين تقف، ومتى تقول “حد هنا وبس”، ومتى تكون سندًا حقيقيًا لزوجها دون أن تتنازل عن شبر واحد من كرامتها.

وصلنا إلى المستشفى، واقتربنا من غرفة الحاجة ثريا في الدور الثاني. كانت أضواء الممر البيضاء تعكس برودة المكان، وكان صوت خطواتنا يتردد بانتظام.

عندما اقتربنا من الباب، رأينا مروة واقفة بالخارج مع بعض أقارب العائلة. أول ما وقعت عيناها عليّ بجانب أحمد، اتسعت حدقتاها من الصدمة والذهول، وكأنها لم تتوقع أبداً أن أملك الجرأة للحضور بعد كل ما جرى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *