تيتي اتبنتني
بقلم اماني سيد

ملامح بابا اتغيرت تماماً، وشه احمر وعروق رقبته نفرت من الغضب، ولاول مرة أشوف في عينيه نظرة الذنب والقهر اللي حس بيهم بعد ما ساب لحمه يتبهدل عشان يريح دماغه. ضرب بإيده على الترابيزة وقال بصوت يرعب: “أنا سيبتك ليهم عشان قولت بنتنا وهتصونها، مش عشان يشغلوكي جارية ويبيعوا ويشتروا فيكي!”.
تاني يوم الصبح، بابا مسبنيش لوحدي؛ أخدني ونزل على بيت عمتي، ومخرجش من هناك غير وورقة طلاقي في جيبه بعد ما مسح بكرامة ابنها الأرض وعرّف أخته قيمتها، وشرط عليهم مفيش حد منهم يقرب من طريقي ولا خطوتي، وطارق طلق وهو مكسور ومش قادر يرفع عينه في عين بابا.
الرجوع لحياة بابا مكنش سحري ولا سهل في الأول. في البداية كان في حاجز تقيل بيني وبين إخواتي؛ كنت حاسة إني غريبة، وهما كانوا مستغربين وجودي وعايشين في عالم تاني ومستوى مكنتش أعرف عنه حاجة. بس اليوم ورا اليوم، والتفاصيل الصغيرة بدأت تكسر التلج.
بقيت أشاركهم قعداتهم، وأقعد أذاكر معاهم، لما لقوني شاطرة في كليتي وطموحة وبفهم، بدأوا يبصولي بنظرة تانية خالص غير صورة البنت الغلبانة اللي كانت بتزورهم بلبس قديم. أختي الصغيرة بقت تيجي تقعد جنبي تفضفضلي وتاخد رأيي، وأنا كمان فهمت إنهم مكنوش بيكرهوني زمان، دي كانت مجرد شقاوة عيال وجهل بقيمة الوجع اللي كنت عايشاه.
واحدة واحدة، البيت اللي كنت خايفة أدخله بقى هو سكني وأماني الحقيقي، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن عندي ضهر، وعيلة، وبداية جديدة استحقها بجد.
مرت الأيام والشهور سريعة، وكل تعب السنين اتمسح في اللحظة اللي وقفت فيها على مسرح التخرج، لابسة الروب الأسود وطاقية التخرج فوق راسي، وبابا وإخواتي قاعدين في أول صف بيسقفوا وعيونهم بتلمع بفخر حقيقي. حسيت وقتها إن البنت اللي كانت بتغسل الصحون وتبكي في الضلمة، اتولدت من جديد بقوة مكنتش تتخيلها.
ما استنيتش كتير بعد التخرج، وبدأت أنزل تدريب وأقدّم في مكاتب وشركات، لحد ما ربنا كرمني واشتغلت في إدارة الشؤون القانونية بشركة محترمة. دخولي لسوق العمل غيّر شخصيتي تماماً؛ بقيت واثقة في خطوتي، مرتبي في جيبي، ولبسي بقى يعكس كياني ونجاحي، مبقتش البنت المكسورة اللي مستنية حد يتصدق عليها بكلمة حلوة أو يحسسها بوجودها.

