بقلم روماني مكرم 1

وقف الرجل الغريب في منتصف الأوضة، جالت عيناه على الحضور، ثم استقرت عليّ أنا.

تفحص بدلتي الرمادية، لمحة التحدي في عينيّ رغم الصدمة، وابتسم ابتسامة باهطة لم تصل أبدًا إلى عينيه.

— “مساء الخير يا حضرات.. بعتذر على التطفل، بس المواعيد عندي مظبوطة بالدقيقة.. الساعة أربعة ودقيقة.”

صوته كان هادئًا، منخفضًا، لكنه يحمل نبرة تجعل القشعريرة تسري في العظام.

صرخت صباح بصوت مهزوز حاول مجاراة كبريائها الزائف:

— “انت مين؟! وإزاي تدخل كده؟ يا أستاذ فرج اطلب الشرطة! الناس دول مين؟!”

التفت الرجل إليها ببطء شديد، وخلع قفازه الجلد الأسود أصبعًا أصبعًا، ثم أخرجه من جيبه الداخلي بطاقة صفراء داكنة، ورماها على الترابيزة أمام المحامي.

— “الشرطة؟ فكرة ممتازة يا مدام صباح. اطلبيها.. بس قبل ما ترفعي السماعة، اسألي محاميكِ الذكي عن معنى ‘شركة الكارما للاستثمار والاستيراد’.. واسأليه كمان عن الصكوك اللي جوزك المرحوم مضى عليها بدم قلبه من سنتين.”

المحامي فرج لم يحتج لأن يسأل. كان وجهه قد شحب تمامًا وأصبح بلون الورق. صوته خرج كالحسيس:

— “السيد.. كمال الباشا؟”

ابتسم الرجل — كمال الباشا — وجلس على طرف الترابيزة الكبيرة، مائلًا بجسده نحوي، متجاهلًا صباح تمامًا وكأنها أصبحت هواء.

— “أهلاً بيكي يا أستاذة نوال.. العقل المدبر لشركات سيد عبد الصمد. الواجهة كانت قشرة، بس أنتِ كنتي العصب. الخشب السوس اللي أكل الشركة كان جوزتك يا مدام صباح.. سيد الله يرحمه.”

حاولت أجمع شتات نفسي. قلبي كان يدق في صدري كأنه يطرق أبواب قفسي الصدري ليخرج. الديون؟ الكفيل الضامن؟ سيد أخويا.. سند حياتي.. كان مش بس بايع الشركة، ده كان بايعني أنا كمان؟

سألت بصوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت:

— “يعني إيه كفيل ضامن؟ أنا ممتش على ورقة واحدة مع سيد.. ولا أعرفك أساسًا!”

ضحك كمال الباشا، ضحكة قصيرة جافة، ثم أومأ لرجل من رجاله، الذي أخرج ملفًا أسود آخر وضع على الطاولة أمامنا فتحة ببرود.

— “أخوكي المرحوم، عشان ياخد تمويل بـ 40 مليون جنيه عشان يغطي خسائره في سوق البورصة والصفقات المضروبة اللي دخلها من وراكي، قدم لنا كل أصول الشركة. ولما طلبنا ضامن شخصي له وزن وحسابات حقيقية، أثبت لنا بالورق والرسميات إنك ‘الشريك المتضامن الفعلي’.. وأمضتك كانت موجودة على كل شيك، وعلى كل توكيل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *