اماني السيد

بصت نفيسة حواليها في الصالة، لأول مرة تحس إن الشقة واسعة ونضيفة بجد، مفيش “رأفت” يطلب منها حاجة بتأمر، ولا “رأفت” يعايرها بريحتها، ولا “رأفت” يكسر خاطرها بكلمة. دخلت أوضة العيال، لقتهم نايمين ببراءة، بوستهم واحد واحد وهمست لنفسها: “من النهاردة مفيش شقا عشان خاطر حد مش بيقدر.. الشقا ليكم ولنفسي وبس.”
تاني يوم الصبح، نفيسة مصحتش تجري تكوي قمصان ولا تحضر فطار لراجل جاحد، صحيت براحتها، فطرت مع عيالها، ونزلت المول وهي رافعة راسها. راحت للسوبر فايزر في المول، وبدل ما تطلب زيادة، طلبت فرصة تانية خالص، قالتله: “أنا بقالي شهور بلف في المول ده وعارفة كل كبيرة وصغيرة فيه، أنا مش بس بعرف أنضف، أنا بعرف أدير وأراقب المخازن والحسابات، وعندي عقل يوزن بلد، اديني فرصة واحدة بس أجرب”. السوبر فايزر اللي شاف جدعنتها وشطارتها في الالتزام طول الشهور اللي فاتت وافق يديها فرصة “تجربة” في الإشراف المكتبي، ونفيسة اللي كانت فاكرة إنها “بدون مؤهلات” طلعت أشطر من مية محاسب، سنين الشقا في المول خلتها عارفة حركة البضاعة والداخل والخارج، فبقت “إيدها والنضافة” في الورق زي ما كانت في الأرض.
أما رأفت، فالحياة مضحكتش له كتير، “سها” الهانم اللي رسم عليها الدور، أول ما عرفت إنه “مطلق” ومعيول ومعهوش فلوس يصرف على “منظرها” بعد ما نفيسة قفلت الحنفية، سابته في أول محطة. والشركة اللي اشتغل فيها بـ “واسطة” نفيسة، اكتشفوا إنه “خاوي” ومبيفهمش في الأصول، وبدأ يغلط في الحسابات من كتر تفكيره في “المنظرة” الكدابة، لحد ما رفدوه.
في ليلة، رأفت كان واقف قدام المول، هدومه مبقتش مكوية، ووشه رجع شاحب وكئيب تاني، شاف نفيسة وهي خارجة من “الباب الرئيسي” للمول، مش باب المطبخ، كانت لابسة طقم شيك وواثقة في نفسها، وماسكة شنطة، وواقفة تستنى تاكسي بكرامتها. حاول يقرب منها ويقول بضعف ونبرة مكسورة: “نفيسة.. أنا عرفت قيمتك، الدنيا جت عليا يا أصيلة، والبيت من غيرك ضلمة، سامحيني ونبدأ من جديد”.
مرت شهرين ونفيسة حالها اتقلب ١٨٠ درجة، أول قرار خدته إنها سابت شغلانة البيوت الصباحية ورمت “فوطة التعب” ورا ضهرها، وركزت كل مجهودها في شغلها الجديد في مكتب المول. بقت تصحى الصبح مش عشان تجري ورا حد، لكن عشان تدي لنفسها حقها؛ وقفت قدام مراية الصيدلية وجابت أول كريم مرطب لاديها، الكريم اللي ريحته كانت بتمحي ريحة “الفينيك” اللي سكنت مسامها سنين.

