اماني السيد

وقفت نفيسة، ساندة على الممسحة، وقلبها بدأ يدق زي الطبل. شافت “رأفت” قاعد على تربيزة في ركن شيك، والضحكة مالية وشه، وقدامه “واحدة” تانية خالص.. رقيقة، لابسة غالي، وبتبص له بإعجاب.
نفيسة شافت رأفت وهو بيمسك إيد الست دي، وبيعزمها على الغدا بكل كرم، وبيدفع فلوس.. هي عارفة إن الفلوس دي “حق العيال” اللي هو ادعى إنه مش معاه غيرها.
صوره: رأفت وهو بيتكلم، شاور بإيده في الهوا كأنه بيوصف حياته، ونفيسة سمعت بودانها (وهي بتقرب بالراحة بتمسح الأرض عشان تتأكد) وهو بيقول لسها: “أنا مكنتش محظوظ في جوازتي الأولى، كانت ست مابتفهمنيش، والحمد لله إني طلقتها وخلصت من الهم ده.. دلوقت بس حسيت إني بدأت أعيش.”
ن
فيسة حست إن الأرض بتلف بيها. “هم؟” “مطلق؟” “خلص مني؟”
الكلور اللي كانت بتستعمله طول اليوم، حست إنه اتحول لنار في دمها. قلعت الكمامة ببطء، ومسحت وشها بطرف هدوم الشغل المبهدلة، وقررت إنها مش هتمشي المرة دي وتعيط.
خطوات نفيسة كانت تقيلة وهي بتقرب من تربيزتهم، والممسحة في إيدها بتخبط في الأرض زي “مارش الجنازة” لجوازهم.
وقفت قدامهم فجأة.. رأفت أول ما شافها، لونه خطف، والضحكة اتجمدت على شفايفه، وعينه برقت من الرعب.
نفيسة بصت لـ “سها” بابتسامة وجع مريرة، وقالت بصوت مسموع للمول كله:
“بالهنا والشفا يا هانم.. بس ياريت يا أستاذ رأفت، وأنت بتعزم الهانم بفلوسي وتعيش دور المطلق، متنساش تاخد معاك وأنت مروح ‘كيس العشا’ للعيال اللي مستنيينك في البيت.. عشان أنا ورديتي لسه مخلصتش، ومقدرتش أجيب لهم عشا النهاردة عشان ميزانية ‘المطلق’ متتأثرش!”
رأفت اتسمر مكانه، وسها بدأت تبص له بذهول واحتقار، ونفيسة رمت الممسحة تحت رجليه وقالت بكلمة أخيرة هزت كيانه:
“الحادثة اللي كسرت رجلك زمان يا رأفت، كانت أهون بكتير من الحادثة اللي كسرت فيها عيني النهاردة.. مبروك عليك ‘نضافتك’ الجديدة، بس وساخه القلب مبيتغسلش بأي منظفات.”
خرجت نفيسة من بوابة المول والبرودة اللي في الجو مكنتش أصعب من البرودة اللي سكنت قلبها. قلعت “الكاب” بتاع الشغل، وفكت طرحتها وأعادت ربطها بقوة كأنها بتربط على جرحها. في اللحظة دي، نفيسة خدت قرار كان أصعب من قرار نزولها للشغل أول مرة: “خلاص.. ميزان التضحية انكسر، واللي جاي لنفسي ولعيالي وبس.”

